مقــدمـــة

مقـدمــة 

لما انتهت الحرب العالمية الأولى -كان المنتصرون كلهم من الدول الرأسمالية- وكانت البشرية قد اكتوت بنيرانها وويلاتها ما جعلها تفكر فى وضع نهاية للحرب رفقاً بالإنسانية والحضارة -فأنشأت منظمة عالمية وكل إليها هذا العمل وهى التى عرفت باسم "عصبة الأمم".
ولما كان عبء الحرب يقع بكاملة على أكتاف الدول الصغيرة المستعمرة المغلوبة على أمرها فلم يمض ربع قرن إلا وكانت أطماع الدول الرأسمالية قد تحركت وألهيت نيران الحرب العالمية الثانية.
وكانت الحرب العالمية الثانية فتكاً وتدميراً غير أنها انتهت نهاية مخالفة -فقد كان بين المنتصرين عنصر جديد هو "الاتحاد السوفييتى" رافع لواء الاشتراكية- المذهب الجديد الذى يقوم على (عدالة التوزيع) وإحلال التعاون والحب بين الشعوب محل التنافس والتانحر- وتنادى بافشاء السلام على الأرض، وترفض الاستغلال الذى هو الحجر الأساسى فى صرح الرأسمالية.
وأحست الرأسمالية منذ اللحظة الأولى لقيام الدولة الاشتراكية الأولى على الأرض -بخطورتها عليها- فحاصرتها وحاولت القضاء عليها فى مهدها -ولكن لما كانت الاشتراكية تحمل بين طياتها أسباب النجاح والبقاء- فقد نجحت فى طرد خصومها وبقيت البشرية من الرق والعبودية.
ورغم حداثة سن الاشتراكية عند اندلاع نيران الحرب الثانية إلا أن قهر النازية لم يكن ممكناً بدونها -ورغم الخلاف والتناقض العقائدى فقد تم التحالف- الذى عبر عنها "تشرشل" (بالتحالف مع الشيطان).
وتحقق ما كانت تخشاه الرأسمالية من خطورة الاشتراكية عليها -فقد خرج الاتحاد السوفييتى من الحرب أشد بأساً وأعظم قوة، وكانت الحرب فرصة طيبة لإثبات سلامة المذهب الاشتراكى وأفضليته، وبشرت بأن المجتمع الاشتراكى هو الثوب الجديد الذى لا بد للعالم أن يستقبل به القرن الحادى والعشرين.
وأعادت الإنسانية الدامية إنشاء منظمة تحل محل عصبة الأمم لتحول دون تكرار مأساة الحرب فأنشأت "هيئة الأمم المتحدة" فكان لوجود الاتحاد السوفييتى القوى كعضو فيها أثره البالغ فى اندلاع حرب التحرر الوطنى فى كافة أنحاء العالم -ولقد وجدت الدول المستعمرة المغلوبة على أمرها فى الاتحاد السوفييتى سنداً ونصيراً مكنها من طرد الاستعمار ورفعت الأمم المتحدة شعار "تصفية الاستعمار" وعملت على تحقيقه ورأت الدول المتحررة فى الاشتراكية الطريق الوحيد لتعويض التخلف الذى فرضه عليها الاستعمار واتسعت رقعة الاشتراكية على حساب الرأسمالية.
وفى معركة الحياة والموت لا تستسلم الرأسمالية بل تزداد وحشية وضراوة كلما اقتربت نهايتها.
والرأسمالية فى محاولة دائبة لتأليب الشعوب على الاشتراكية ومحاولة محاصرتها بأحلاف عسكرية لعزلها عن العالم -غير أن الحق الذى فى الاشتراكية كان أقوى من الأحلاف ونفذ إشاعة إلى الشعوب فى أفريقيا وأمريكا اللاتينية فتحقق التحرر لكثير من الشعوب وقامت دول اشتراكية فى غير مكان وراء الأحلاف.
ولكى تجذب الرأسمالية الشعوب إلى أحلافها فهى تستخدم أحقر الوسائل وأحطها لخداع هذه الشعوب -فهى تقوم بحملة دعايات مسمومة تشوه الاشتراكية فى نظرهم.
وفى منطقة الشرق الأوسط -مهد الرسالات السماوية- ضربت الرأسمالية على الوتر الحساس فراحت تروج الدعايات عن مجافاة الاشتراكية (للدين) واضطهادها له وعملها على تفويضه.
وقد تناول أكثر من كانت ممن أتيحت لهم فرصة الذهاب إلى الاتحاد السوفييتى ومعاينة الواقع هناك وسجلوا مشاهداتهم وانطباعاتهم التى تدين كلها هذه الدعايات وتكذبها بالوقائع.
ولما أتيحت لى فرصة الذهاب إلى الاتحاد السوفييتى فى صيف سنة 1970 والاطلاع على أحوال المسلمين هناك ودراستها دراسة الملهوف لمعرفة الحقيقة وعدت أحمل هدية فاخرة عبارة عن مصحف وسجل مصور للآثار الإسلامية فى الاتحاد السوفييتى -أحسست بأن المكتبة العربية لا زالت فى حاجة إلى الكتاب الذى ينصف الاشتراكية ويبين للناس كيف أن "الدين" قد أزدهر فى ظل الحرية ورعاية الاشتراكية فأنجب المجتمع الإسلامى أعلاماً وقمما فى الفكر الإسلامى زادوا فى إنمائه وإثرائه.
أن المجتمع الإسلامى فى الاتحاد السوفييتى الذى ألغى من قاموسه كلمات: الفقير والسائل والمحروم - وكل مستحق للزكاه فوجه أموال الزكاة لرفع مستوى المجموع وإعانة المجتمعات الإسلامية فى بلاد أخرى يستحق أن يبذل فى سبيل إظهاره للناس جهد أرجو أن أكون قد وفقت إلى بعضه وأن يكون هذا الكتاب بداية موفقة لغيره من الكتب التى توفى هذا الموضوع حقه - والله ولى التوفيق .
يوسف صديق
27/8/1972

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.